الخطيب الشربيني
276
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ثالثها : أنه يعود على الكتاب على حذف مضاف أي : من لقاء مثل كتاب موسى . رابعها : أنه عائد على ملك الموت عليه السّلام لتقدم ذكره . خامسها : عوده على الرجوع المفهوم من قوله إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي : لا تكن في مرية من لقاء الرجوع . سادسها : أنه يعود على ما يفهم من سياق الكلام مما ابتلي به موسى من الابتلاء والامتحان قاله الحسن أي : لا بد أن تلقى ما لقي موسى من قومه ، واختار موسى عليه السّلام الحكمة وهي أن أحدا من الأنبياء لم يؤذه من قومه إلا الذين لم يؤمنوا ، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى عليه السّلام فإن من لم يؤمن به آذاه كفرعون ، ومن آمن به من بني إسرائيل آذاه أيضا بالمخالفة ، فطلبوا أشياء مثل رؤية الله جهرة ، وكقولهم فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [ المائدة : 24 ] وأظهر هذه الأقوال أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب ، واختلف في الضمير أيضا في قوله تعالى وَجَعَلْناهُ على قولين : أحدهما : يرجع إلى موسى أي : وجعلنا موسى هُدىً أي : هاديا لِبَنِي إِسْرائِيلَ كما جعلناك هاديا لأمتك . والثاني : أنه يرجع إلى الكتاب أي : وجعلنا كتاب موسى هاديا كما جعلنا كتابك كذلك . وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أي : من أنبيائهم وأحبارهم أَئِمَّةً يَهْدُونَ أي : يرفعون البيان ويعملون على حسبه بِأَمْرِنا أي : بما نزلنا فيه من الأوامر ، كذلك جعلنا من أمتك صحابة يهدون ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » « 1 » وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة قبل الميم ، ولهم أيضا إبدالها ياء ، وحققها الباقون ومد هشام بين الهمزتين بخلاف عنه ، وقوله تعالى لَمَّا صَبَرُوا قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام وتخفيف الميم أي : بسبب صبرهم على دينهم وعلى البلاء من عدوهم ولأجله ، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم أي : حين صبرهم على ذلك ، وإن كان الصبر أيضا إنما هو بتوفيق الله تعالى وَكانُوا بِآياتِنا الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا لما لها من العظمة يُوقِنُونَ أي : لا يرتابون في شيء منها ولا يعملون فعل الشاك فيها بالإعراض . ولما أفهم قوله تعالى منهم أنه كان منهم من يضل عن أمر الله قال الله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ أي : المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك هُوَ أي : وحده يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ أي : بين الهادين والمهديين والضالين والمضلين يَوْمَ الْقِيامَةِ بالقضاء الحق فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي : من أمر الدين لا يخفي عليه شيء منه وأما غير ما اختلفوا فيه ، فالحكم فيه لهم أو عليهم ، وما اختلفوا فيه لا على وجه القصد فيقع في محل العفو . ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد بقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَهْدِ أي : يبين كما رواه البخاري عن ابن عباس لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا أي : كثرة من أهلكنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ الماضين من المعرضين عن الآيات ، ونجينا من آمن بها . وقوله تعالى يَمْشُونَ حال من ضمير لهم فِي مَساكِنِهِمْ أي : في أسفارهم إلى الشام وغيرها كمساكن عاد وثمود وقوم لوط فيعتبروا إِنَّ فِي ذلِكَ أي : الأمر العظيم لَآياتٍ أي : دلالات على قدرتنا أَ فَلا يَسْمَعُونَ سماع تدبر واتعاظ فيتعظوا بها .
--> ( 1 ) أخرجه الذهبي في ميزان الاعتدال 1511 ، 2299 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 147 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 2 / 223 .